العيني

251

عمدة القاري

أزيد أو بتوبة . قوله : ( كان زلفها ) أي : قربها . وقال ابن سيده : زلف الشيء وزلفه قدمه . وعن ابن الأعرابي : ازلف الشيء قربه ، وفي ( الجامع ) : الزلفة تكون القربة من الخير والشر ، وفي ( الصحاح ) : الزلف التقديم ، عن أبي عبيد ، وتزلفوا وازدلفوا أي : تقدموا . وقال الكرماني : زلفها ، بتشديد اللام والفاء ، أي : أسلفها وقدمها . يقال : زلفته تزليفاً وأزلفته إزلافاً ، بمعنى التقديم . وأصل الزلفة : القربة ، وفي بعض نسخ المغاربة : زلفها ، بتخفيف اللام . قلت : أزلفها بزيادة الألف رواية أبي ذر ، ورواية غيره : زلفها بدون الألف وبالتخفيف . وقال النووي بالتشديد ، ورواه الدارقطني من طريق طلحة بن يحيى عن مالك بلفظ : ( ما من عبد يسلم فيحسن إسلامه إلاَّ كتب الله كل حسنة زلفها ومحى عنه كل خطيئة زلفها ) . بالتخفيف فيهما ، وللنسائي نحوه ، لكن قال : ازلفها ، وزلف بالتشديد وأزلف بمعنى واحد ، قال الخطابي . وفي ( المحكم ) : أزلف الشيء : قربه ، وزلفه ، مخففاً ومثقلا : قدمه ، وفي ( المشارق ) : زلف بالتخفيف أي : جمع وكسب ، وهذا يشمل الأمرين ، وأما القربة فلا تكون إلاَّ في الخير ، فإن قيل : على هذا رواية غير أبي ذر راجحة . قلت : الذي قاله الخطابي يساعد رواية أبي ذر . فافهم . قوله : ( كتب الله ) أي : أمر أن يكتب ، وروى الدارقطني من طريق زين بن شعيب عن مالك بلفظ : ( يقول الله لملائكته اكتبوا ) . قوله : ( القصاص ) ، قال الصغاني : هو القود . قلت : المراد به ههنا مقابلة الشيء بالشيء أي : كل شيء يعمله يعطى في مقابله شيء ، ان خيراً فخيراً ، وإن شراً فشراً . قوله : ( ضعف ) قال الجوهري : ضعف الشيء مثله ، وضعفاه مثلاه ، وقال الكرماني : فإن قلت : فلم أوجب الفقيه فيما لو أوصى بضعف نصيب ابنه مثلي نصيبه ، وبضعفي نصيبه ثلاثة أمثاله ؟ قلت : المعتبر في الوصايا والأقارير العرف العام لا الموضوع اللغوي ، أقول : الذي قاله الجوهري منقول عن أبي عبيدة ، ولكن قال الأزهري : الضعف في كلام العرب المثل إلى ما زاد ، وليس بمقصور على المثلين ، بل جائز في كلام العرب أن تقول : هذا ضعفه أي : مثلاه وثلاثة أمثاله ، لأن الضعف في الأصل زيادة غير محصورة . ألاَ ترى إلى قوله تعالى : * ( فاؤلئك لهم جزاء الضعف بما عملوا ) * ( سبإ : 59 ) لم يرد مثلاً ولا مثلين ، ولكن أراد بالضعف الأضعاف ، فأقل الضعف محصور ، وهو : المثل ، وأكثره غير محصور . فإذا كان كذلك يجوز أن يكون إيجاب الفقيه في المسألة المذكورة غير موضوع على العرف العام ، بل لوحظ فيه اللغة . بيان الإعراب : قوله : ( يقول ) ، في محل النصب على أنه مفعول ثان لقوله : ( سمع ) : على قول من يدعي أنه يتعدى إلى مفعولين ، والصحيح أنه لا يتعدى ، فحينئذ يكون نصباً على الحال ، فان قيل : لِمَ لَمْ يقل : قال مناسباً لسمع ، مع أن القضية ماضية ؟ قلت : أجيب لغرض الاستحضار كأنه يقول الآن ، وكأنه يريد أن يطلع الحاضرين على ذلك القول مبالغة في تحقق وقوع القول ، وذلك كقوله تعالى : * ( ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ) * ( آل عمران : 59 ) من حيث لم يقل : فكان . قوله : ( فحسن ) : عطف على : ( أسلم ) . قوله : ( يكفر الله ) ، جزاء الشرط ، أعني قوله : إذا ، ويجوز فيه الرفع والجزم ، كما في قول الشاعر : * وإن أتاه خليل يوم مسغبة * يقول : لا غائب ما لي ولا حرم * وذلك إذا كان فعل الشرط ماضياً والجواب مضارعاً ، وعند الجزم يلتقي الساكنان فتحرك الراء بالكسر لأن الأصل في الساكن إذا حرك حرك بالكسر ، ولكن الرواية ههنا بالرفع ، ووقع في رواية البزار : كفر الله ، بصيغة الماضي ، فوافق فعل الشرط . وقال بعضهم : يكفر الله ، بضم الراء ، لأن إذا ، وإن كانت من أدوات الشرط لكنها لا تجزم . قلت : هذا كلام من لم يشم من العربية شيئاً . وقد قال الشاعر : * استغن ما أغناك ربك بالغنى * وإذا تصبك خصاصة فتحمل * قد جزم إذا . قوله : ( تصبك ) ، وقد قال الفراء : تستعمل إذا للشرط ، ثم أنشد الشعر المذكور ، ثم قال : ولهذا جزمه قوله : ( كل سيئة ) كلام إضافي منصوب لأنه مفعول : ( يكفر الله ) . قوله : ( كان زلفها ) ، جمله فعلية في محل الجر لأنها صفة سيئة . قوله : ( وكان بعد ذلك ) أي : بعد حسن الإسلام القصاص ، وهو مرفوع لأنه اسم كان ، وهو يحتمل أن تكون ناقصة وأن تكون تامة ، وإنما ذكره بلفظ الماضي ، وإن كان السياق يقتضي لفظ المضارع ، لتحقق وقوعه كأنه واقع ، وذلك كما في قوله تعالى : * ( ونادى